قليلٌ من الضجيج

الكاتب: محمد السقاف | يوم: 27 نوفمبر 2011 | التصنيف: مقالات | 1,572 قراءة | طباعة

تمر الأيام وتنقضي الأعوام ونحن نسير في طرقات عالمنا، نمضي عبر دروبه، ونسبح مع تياراته، في واقع الحال هي مسارات عِدّة، والحقيقة أنها في اتجاه واحد، حيث لا تعود الأشياء ولا رجعة للوراء، فما مضى فات والمؤمل غائب، وما لكَ إلا الساعة التي أنتَ فيها.

نلوم أنفسنا ونعتب عليها ونعاتبها، نترافع عنها ونعاقبها، فقط حين نجد وقتا لمحاورتها والإصغاء لها، لكن من هو مربوط بسماعات المشغلات الرقمية في أذنيه، من فتية وفتيات، من مختلف الأعمار واللغات، تجدهم في دوامة وإن كانوا في أماكنهم، تبقي أذهانهم في حركة مستمرة، والعجب في استمرارهم قابعين في الدوامة لساعات طويلة، أهو هروب من أمر ما؟ أم عدم الرغبة في أن يعمل العقل بطريقة أو بأخرى؟ وأعجب من ذلك: كيف يحتملون هذا الضجيج! فكما هو معلوم في مقاييس الصوت أن درجة ضجيج السيارات 90، بينما الكلام العادي 60 درجة والمطر 40، وأجهزة الحفر 120، وتقترب منها بدرجة 115 المشغلات الصوتية الرقمية!

 لآذاننا حق في حمايتها من الصمم، ولعقلنا صون عن أن يكون أصما، وللوقت اعتبار في إعطائه حقه ومستحقه، قليل من الصبر على الانضباط والنظام، ومزيد من التركيز وترتيب الأولويات، يثمر قريبا بل قريبا جدا بمتعة الإحساس بقيمة الأوقات وبما نشغله فيها.

فيا حسرةَ الأعمار تمضي سبهللا ** وذرتها تعلو على ألفِ دُرَّةِ

 

أجيجٌ وضجيج

“قيل لأعرابي في يوم حار بحضرة قوم يتصايحون في الخيام: أما ترى أجيج اليوم؟ فقال: إن ضجيج القوم أشد من أجيج اليوم”، فكيف بضجيج يتطاير منه أجيج، يذكي الضجيج جذوة أجيجه، ويدفع أجيجه جَلَبة ضجيجه.
كلاهما.. متى انتقلنا من توجيههما للآخر إلى الذات، ومن الخارج إلى الداخل، بمقدار صحيح وميزان رجيح، أثمرا وأينعا نقدا للذات لا جلدها، ودوام ذلك لا مجرد شرارة سرعان ما تنطفي.

ومع ساعات المغيب خامرني إحساس تمكن مني، حين لاحت لناظري جبال القدس، وخالجني شعور غريب حين وقفت متأملا أضواء أريحا ليلا، من على ضفة البحر الميت بالأردن، أجج ضجيجا بداخلي أذكى جذوته رسالة نصية وصلت إلى قلبي قبل هاتفي المحمول: “أهلا بك في بيتك الثاني فلسطين”.

أهلا بمنظر يغلفه الصمت، فيه أجيج من هذا النوع يدفع محرك الذات لإصلاحها، ويرفع ضجيجها بالحركة والهمة والدعاء لخالقها، وهذا هو سِرُّ العنوان: قليلٌ، من الضجيج.

محمد السقاف – البحر الميت
غرة محرم لعام ألف وأربعمائة وثلاثة وثلاثين للهجرة الشريفة
(1/1/1433هـ)

مواضيع ذات صلة:

  1. أيام.. في بلاد الشام
  2. كشكول رحلة جدة – مكة
  3. هل تعلم حقا من تكون ؟
  4. أنا ونفسي.. خاطرة
  5. انطلاقة عام جديد

الكاتب: محمد السقاف | يوم: 27 نوفمبر 2011 | التصنيف: مقالات | 1,572 قراءة | طباعة
  • del.icio.us
  • Google Bookmarks
  • Technorati
  • MySpace
  • PDF
  • RSS
  • Yahoo! Bookmarks
  • email
  • Facebook
  • Twitter

التعليقات:

أضف تعليق | عدد التعليقات: (7)

  1. سامر قال:

    رائع
    أججت مشاعرنا بضجيج الشوق ، فمن لها يهدّئ من روعها بعد ما ضج ضجيجها وأج أجيجها…..جوزيت

    سامر

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  2. كل الشكر والامتنان على روعة بوحـك ..

    وروعة مانــثرت .. وجمال طرحك ..
    دائما متميز في الانتقاء
    سلمت على روعه طرحك
    نترقب المزيد من جديدك الرائع
    دمت ودام لنا روعه مواضيعك

    لك خالص احترامي

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  3. 3zo0oz قال:

    أهنيك على المدونة الرائعة فعلا ً ……
    شكراً

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  4. هبه قال:

    رائع….
    أنا نفسي كنت أعيش في الدوامة التي تكلمت عنها… دوامة من الضجيج غزلت منها شرنقة ولففت بها نفسي واعتزلت العالم بداخلها..
    نعم كان نوعا من الهروب..
    ونعم هي دوامة تتقاذفك كريشة في مهب الريح لكنك في الواقع ثابت في مكانك.. يتجاوز عنك الوقت وتمر قوافل البشر ماضية مخلفة اياك وراءها ..
    لكن خلعت عني تلك الشرنقة ولحقت بالركب… لا أود البقاء لوحدي….

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

أكتب تعليق

سقاف كوم - حيث لا سقف للمعرفة! | جميع الحقوق محفوظة لموقع سقاف كوم | اتصل بنا لأفضل وأسرع تصفح لمدونة سقاف كوم استعمل فايرفوكس