ولعي وحرصي على تدوين الشاردة والواردة من المعلومات والمواقف التي تمر بي منذ الصغر، أوجد لدي حصيلة معرفية ذهنيا وعلى عدد لابأس به من المفكرات، فتجدني أحتار حين أسافر في أي مفكرة سآخذها معي، ولذا وضعت تصنيفا جديدا ”مفكرتي” في الموقع، أضع فيه أفضل مادونته ضمن مقالات متفرقة، أضيف لها معلومات تكميلية لتسهل العودة لها متى احتجت، ويستفيد منها الجميع.

فالبلاد الأخرى كانت لها حمامات خاصة بها نظرا لبرودتها في الشتاء، بينما العربي يواجه الشمس وأشعتها التي تغذيه -كما ثبت علميا- فضلا عن التعرق الصحي، هذه كانت واحدة من وصايا الفاروق عمر رضي الله عنه لجيش المسلمين حين ذهبوا لبلاد العجم وقال: (تمعددوا واخشوشنوا ) نسبة إلى معد بن عدنان فقد كان ذا زهد وتقشف، لذا تقول العرب: تمعدد الغلام: إذا اشتد وغلظ، ومع مايتخيل عن العرب من خشونة وغلظة إلا أن ارتباطهم بالطبيعة من حولهم يكاد يفوق الوصف، بدءا من الشمس والقمر والنجوم، و إحساسهم المرهف وارتباطهم الوثيق العميق في ماحولهم، وسأذكر على سبيل الذكر لا الحصر ثلاث أمثلة: الفراسة والقيافة والريافة.
الفراسة: المهارة في التعرف على بواطن الأمور من ظواهرها، فهو علم يبحث في العلاقة بين الطباع وملامح الوجه [المحيط]، ومن العلوم الحديثة المعاصرة: لغة الجسد Body language والذي يعتني بتفسير وتحليل ظاهر تعابير الوجه وحركات الجسد، ومع بالغ التقدير لهذا الفن ولكن شتان بين التعمق في كوامن الأمور وباديها.
ومن أجمل قصص الفراسة: أن الشافعي قال: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتها وجمعتها، ثم لما كان انصرافي مررت في طريقي برجل، وهو محتبي بفناء داره، أزرق العينين، ناتئ الجبهة، سناط فقلت له: هل من منزل؟ قال: نعم، قال الشافعي: وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة، فأنزلني، فرأيته أكرم رجل، بعث إليَّ بعشاء، وطيب، وعلف لدابتي، وفراش، ولحاف، قال: فجعلت أتقلب الليل، أجمع ما أصنع بهذه الكتب، فلما أصبحت قلت للغلام: أسرج فأسرج، فركبت ومررت عليه، وقلت له: إذا قدمت مكة، ومررت بذي طوى، فاسأل عن منزل محمد بن إدربس الشافعي، فقال: أمولى كنت أنا لأبيك؟ فقلت: لا، قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ فقلت: لا، قال: فأين ما تكلفت لك البارحة؟ قلت: وما هو؟ قال: اشتريت لك طعاماً بدرهمين وأدماً بكذا، وعطراً بثلاث دراهم، وعلفاً لدابتك بدرهمين، وكراء الفراش واللحاف درهمين، قال: فقلت يا غلام أعطه، فهل بقي من شيء؟ قال: نعم كراء المنزل، فإني وسعت عليك، وضيقت على نفسي بتلك الكتب، فقلت له بعد ذلك: هل بقي من شيء؟ قال: لا، قلت: امض، جزاك اللَّه، فما رأيت قط شراً منك. [المقاصد للسخاوي]
| وإذا اعتراك الوهم في حال امرئ | فأردت تعرف خيره من شره |
| فاسأل ضميرك عن ضمير فؤاده | ينبيك سرك بالذي في سره |
وإذا سألت عن ارتقاء الفراسة من مجرد إدارك الطبع والتوسم إلى ماهو أعلى، فاعرف أسباب حرمانها قبل معرفة أسباب حصولها، ففي حلية الأولياء لأبي نعيم: “قال ذا النون: حرم الله الزيادة في الدين والالهام في القلب والفراسة في الخلق على ثلاثة نفر على بخيل بدنياه وسخي بدينه وسيء الخلق مع الله فقال له رجل بخيل بالدنيا عرفناه وسخي بدينه عرفناه صف لنا سيء الخلق مع الله قال يقضي الله قضاء ويمضي قدرا وينفذ علما ويختارلخلقه أمرا فترى صاحب سوء الخلق مع الله مضطربا في ذلك كله غير راض به دائما شكواه من الله إلى خلقه فما ظنك” اهـ.
وفي مجمع الزوائد للهيثمي بإسناد حسن: “”إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم”. ومن أعجب ما قرأت في الفراسة قول شعبة بن الحجاج: إني لأرى قفا الرجل فأعرف ما في قلبه، قيل له: فوجهه، قال تلك صحيفة تقرأ.
![]()
قيافة الأثر: وهي ليست مجرد قص واقتفاء الأثر لقدم أو خف وحافر، بل لتمييز أوصاف صاحبه، فكانت العرب تميز أثر الأعمى والبصير والشيخ والشاب والرجل والمرأة، والبكر والثيب، وشكله وهيئته، وما إذا كان به مرض أو علة في خلقته، والأعجب أنهم كانوا يعرفون مقصده من أثر خطواته.
والفطرة السليمة السوية قادت العرب في اقتفاء الأثر إلى عين الإيمان بالمولى القدير، (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير).
قيافة البشر: وسميت بذلك لأن صاحبها يتتبع بشرة الإنسان، وجلده، وأعضاءه، وأقدامه، وهي تعتني بكيفية الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين، إلى المشاركة، والاتحاد، في النسب، والولادة، وسائر أحوالها، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا. فقال “يا عائشة ! ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي. فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا ررؤسهما. وبدت أقدامهما. فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض“. وقد كتب الشافعي رحمه الله رسالة أسماها: التنقيح في علم القيافة.
الريافة: ”استنباط الماء من الأرض بواسطة بعض الأمارات الدالة على وجوده فيعرف بعده وقربه بشم التراب أو بالنباتات فيه أو بحركة حيوان وجد فيه لا بد لصاحبه من حس كامل وتخيل شامل وهو من فروع الفراسة من جهة معرفة وجود الماء والهندسة من جهة الحفر واخراجه”. اهـ [كشف الظنون] ..

لا أتحدث هنا عن الكرم كونه أمرا مميزا وسمة محمودة لدى فرد أو حالات في مجتمع العرب، بل لأنها خصلة عرف بها العرب كمجتمع فأثنوا على أهلها وعابوا من لم يتحلى بها، وجعلوه أحد أبرز رموز هويتهم، وقال الحسن بن علي عن الكرم: التبرع بالمعروف قبل السؤال والرأفة بالسائل مع البذل، وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام، وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه.
وإن كانت الناس تسمي الكرم بالحاتمي، فكم من العرب من فاقه في ذلك، ولنأخذ قصة ابنه على سبيل المثال فقد روي أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير من قدورا كانت لأبيه حاتم، فملأها مالا وبعث بها إليه، وقال: إنا لا نعيرها فارغة. عندما ذكرتها لأصدقائي قال أحدهم: لم يطلب منه تأمينا عليها، وقال الآخر: الناس في زماننا ينتظرونها أن تعود مليئة ممن يستعيرها، فأين كنا وأين صرنا. قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لاتستح من عطاء القليل فالحرمان أقل منه.
والسر في الإشارة للكرم ضمن المقال، هو ملمح لطيف أشار إليه الشيخ حمزة يوسف في أمسيته: أن العرب كانت مهيئة بطبعها أن تجود بأغلى مالديها، وماكان لديهم شيء أعز وأغلى من دين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فبادروا بنشره وتبليغه من دافع المحبة والعطاء، وكم من علوم العرب الأخرى وفنونها كعلم النجوم، والحجامة وسأفرد تدوينة مستقلة ضمن مفكرتي حول أسرار اللغة العربية في الفصاحة والبلاغة بإذن الله تعالى.
* مفكرتي.. أمسية ثقافية حضرتها للشيخ حمزة يوسف هانسن.
* كشف الظنون في أسماء العلوم والفنون، حاجي خليفة.
* قصص العرب، ابراهيم شمس الدين.
لا توجد مواضيع ذات صلة.
أضف تعليق | عدد التعليقات: (38)
معلومات مفيدة جدأ وجديدة
أفادك الله بكل علم نافع
دعائي لك بالتوفيق .
من أجمل ما قرأت ..
بارك فيك المولى أخي محمد
الموضوع جذبني بشدة .. ربما لآني أحب كل ماهو مجهول وغريب
الفراسة والقيافة والريافة … كان مصطلح الريافة جديد بالنسبة لي
أتمنى ان اشاهد هذه المواضيع الخفيفة بكثرة يا استاذ محمد
فهي فعلا لاتمل ..
ملاحظة : الصور رااااائعة جدا
ماشاء الله جزاك الله خير
ولكن مع اسفي الشديد لمحدوديه فهمي
ترا مو كل شي مفهوم
او انه التعبير غير متتابع مدري مافهمت كلش
يامصطلحاتك يبيلها تفسير
يا والارجح انه فهمي مو مره بالحيل
المهم حاول تتبسط
وجزاك الله خيرا
الاشياء الجميلة نعود لها مجددا لنستمتع بقرائـتها
أثريت معلوماتي شكرا لك
وبالتوفيــــــــــــــــــــــــــــق استاذنا الفاضل
شكرا جزيلا على هذه المعلومات الذي عرفنا عنها القلليل وامطرت صفحات موقعك بوابل عنها كثير فشربنا حتى ارتوينا فجزاك الله الف الف خير
أزلت غبارا على بعض المصطلحات العربية التي لها مدلولها الحديث كما عبرت عن الفراسة بلغة الجسد ، فلو تكرمت بوضع المصطلح المقابل للقيافة و الريافة مع ضرب أمثلة على ذلك من الزمن الجميل زمن رسول الله وصَحْبِه .أزال الله ذنبك وغفر الله لك أخي محمد .
الأخ الكريم حسين.. آمين اللهم آمين ولك مثل ذلك وزيادة..
الأخ الكريم عمر.. جمل الله حالك ومآلك..
موفق إن شاء الله..
الأخت الكريمة آلاء.. أسعدني أن المقال قد أفادك والصور قد أعجبتك، وبطبيعة النفس البشرية فإنها تحبي أن تعرف أكثر عما خلف عالم إدراكها.
شكرا لإطرائك، دعائي لك بالتوفيق والنجاح..
الأخت الكريمة fatomaty .. قد يكون اختلاف القراءة من مجال لآخر يحيجنا للقراءة أكثر من مرة بعض الأحيان.
هناك بضع كلمات ربما تحتاج لإيضاح، وعوضا عن أضع معناها سأضع لكِ محرك بحث المعجم http://lexicons.ajeeb.com/
وسأبحث مجددا في ترابط المقال وتناسقه، دعائي لك بالتوفيق.
الأخت الكريمة الحالمة بالعالي.. أسعدني أن الموضوع قد أفادك..
دعائي لكِ بالتوفيق والنجاح.
الأخ الكريم عبدالله رمضان.. أسعدني أن المقال قد أفادك.
دعائي لك بدوام التوفيق.
الأخ الكريم ابوبهاء الدين.. شكرا لتعليقك وأود التوضيح بأني لم أعبر عن لغة الجسد كمصطلح مقابل للفراسة، وإنما أردت الإشارة لفن حديث له وجه ارتباط بالفراسة من حيث تفهم تعابير الوجه الظاهرة، بينما الفراسة تهتم بما خلف هذه التعابير.
وبخصوص ما طلبت فسأعمل على البحث والرد بإذن الله تعالى.
دعائي لك بدوام التوفيق.
ولا ننسى أهم ميزة في العرب، وهي اللقافة..
فهذه من أكبر اللمميزات التي تجدها في عند كل عائلة عربية!!
جزاك الله كل خير على هذه المعلومات القيمة و المفيدة .أحب أضيف حاجة على ماكتبت. لقد قرأت كتابا عن الفراسة قبل 3 او 4 سنوات وقرأت فيه عن القيافة والريافة و العيافة و الاخيرة معناها تتبع آثار الاقدام و الاخفاف والحوافر في الطرق.
تسلم يا بعدي والله افدتنا ..
ننتظر جديدك .. وابداعاتك .. يالسقافي ..؟؟
جزاك الله خيرا … بصراحة جهد رائع و عمل ممتع …
و لي ملاحظة لو أنك تكثر اكثر من القصص في الأمثلة فأعتقد انها تثري الموضوع اكثر
و لا تزيده مللا …
وفقك الله و شكرا …
الأخ الكريم أبويعقوب.. لم أجد الكلمة في المعجم، ولكن لعلك تقصد (الفضول)، وهي خصلة فطرية في نفس الإنسان، تجدها بدءا من مراحل نشأة الطفل، منها ما هو محمود كحب الاطلاع والاستطلاع في المعرفة، ومنها ما هو مذموم كالتدخل فيما لايعني الإنسان والبحث حول خصوصيات الآخرين.
يغذي هذه الخصلة أو يهذبها: التربية والقدوة، والعاقل من أشغلته عيوبه عن الآخرين، والاهتمام بأخباره عن أخبار غيره.
دعائي لك بدوام التوفيق والنجاح
الأخت الكريمة famano .. شكرا لتعليقك وللإضافة، وقد قرأت عن كلمة العيافة كما ذكرتِ ووجدت لها معنيان مختلفان تماما يحملان بنفس المسمى.
أرجو إن كنتِ تتذكرين اسم الكتاب أن تضعيه هنا أو ماقرأتيه تحديدا.
دعائي لكِ بالتوفيق والنجاح
السلام عليكم ، اسم الكتاب هو علم الفراسة الحديث
موضوع جميل جداً ورائع استفدت كثيراً منه
اشتهر العرب بكثير من العلوم التي اصبحت قليله الان عندنا
كل الشكر لك .
الأخ الكريم محمد الدوح.. أسعدني أن المقال أفادك..
والقادم أفضل بإذن الله، دعائي لك بالتوفيق والنجاح.
شكرا
يعطيك العافيه استفدت من قراءة تدوينتك وخاصة الريافه جديده شوي
الأخ الكريم عبدالرحمن الزهيري.. أسعدني أن الموضوع قد أفادك، وسأعتني بالقصص والأمثلة في الأطروحات القادمة..
دعائي لك بالتوفيق والنجاح.
الأخت الكريمة famano .. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
شكرا على الإفادة باسم الكتاب، موفقة إن شاء الله.
بوح القلم.. أسعدني أن الموضوع قد أفادك، وهذه العلوم لاتزال موجودة ولكن يخشى أنها على وشك أن تندثر..
دعائي لك بالتوفيق والنجاح.
الأخت سما.. العفو.
غلا.. أسعدني أن الموضوع قد أفادك، دعائي لك بالتوفيق والنجاح.
تحية لك يا عاشق القراءة! انها لعمري خصلة السمو و الرفعة قلما نجدها في ابناء اليوم..
اما معلوماتك التي اثريتنا بها تدل على ذائقة نخبوية و قراءات مفيدة..
اما مدونتك فستتخذ مكانا اثيرا في مفضلتي..
دمت غنيا و مثقفا..
الأخت الكريمة جودي.. أسعدني أن المقال أفادك وأعجبك، وأرجو أن يكون فيما أقدم النفع والإخلاص..
دعائي لك بالتوفيق والنجاح.
السلام عليكم ورحمة الله ..
أخي الكريم جزاك الله خير الجزاء في الدنيا والآخرة ..
استمتعت فعلاا بموضوعك .. <<وصلني من مجموعة أبو نواف ..
وأكثر ما لفت انتباهي هو حديثك عن الكرم ..
و فضلا وليس أمراً لو أكثرت من القصص .. كما قالوا لك بعض الأخوة ..
وأيضاً حبذا لو تطرح لنا موضوع عن الكرم العربي وقصص عنه خااصة ..!
رزقك الله ما تتمناه في الدنيا والآخرة و والديك ..!
إلهام ..!
السلام عليكم
وهذه اول مره ادخل واقرا لك شئ لكن بصراحه شئ رائع
الله يزيدك وبارك الله فيك وفي امثالك
ما أروع أسرار العرب!
تدوينة أخرى جميلة تُزين مدونتك..
شكراً لك.
آخر تدوينة كتبها جواهر حُرة في موقعه blog ..هوس الإرهاب توطنّ أمريكا
رآئع وخآلقيّ ,’ آوضحت مفآهيـمْ جداُ مهمّه وآزلت العموض لدينآ
جوزيت الجنآن =)
جولة معرفية رائعة وممتعة أستاذ محمد …
حماك الله وبارك بهذه الإبداعات …