سلامات داتانغ.. أيام في ماليزيا

الكاتب: محمد السقاف | يوم: 23 أبريل 2012 | التصنيف: عام | 19٬000 قراءة | طباعة

حين تسافر بين غيمات السحب إلى بلد تزوره للمرة الأولى، تود لو تكون الغيمة بساطا سحريا ينقلك من مكان لآخر، ولكن ما فائدة البساط إن لم ترى الأشياء بمنظور مختلف، من حيث هي لا من حيث تريد، وماذا عن قراءة الناس بمختلف الأجناس، أذكر مرة أني كتبت: “كل شخصٍ من حولنا كتاب، يحوي فصولا وأقساماً وأبواب، يُحسن القراءة من يعرف الباب”، وفي الأثر دعاء: “اللهم أرنا الأشياء كما هي”.

ماليزيا .. الإنسان

أقلعت الطائرة في الثالثة صباحا ووصلت في الثانية مساء، يقولون: أن المطارات واجهة البلد، وأنها تعكس وجه ناسها. دونت ملاحظة، وهي: وجود مكتبة واسعة MPH في صالة الوصول، كما تلمح النظام مع وجود الزحام، كان الجو جميلا في الخارج، مطرٌ بلا مقدمات كان فأل خير منذ بدء الرحلة.

جميلٌ أن تأكل من أصناف البلد وكن حريصا على ألا تأكل ما لا تعتاده معدتك، فقد أخذت حساء حرّاقا لذيذا ولكن العاقبة متعبة، وهنا سأنتقل من الحديث عن الطعام إلى بعض المشاهدات والمواقف، فمثلا كنت ألمح متعجبا أدب شرطي المرور مع الناس حين يوجههم لفتح السير من على دراجته النارية، فقال صديقي: الأعجب من ذلك انسيابية تفاعل الناس معه. فكما يبدو هي ثقافة عامة حيث تكرر هذا المشهد أكثر من مرة وفي أوقات وأماكن مختلفة.

مشاهد تراها في الناس من حولك، فمنهم من يقرأ في الأماكن العامة وفي المراكز التجارية، ومن يعمل عملا إضافيا لإكمال دراسته العليا، ومن يعمل في وظيفة ومنصب جيد ثم يتطوع في عمل خيري “سائقا”، وترى كم هو جميل حين يجتمع المال والتجارة مع الخلق الحسن والتواضع المحمود في شخص، تتيقن أن هذه ثقافة عامة حين تنعكس على من يسكن فيها من غير أهلها، فقد التقيت شابا من حضرموت يدرس ويعمل ويتعلم الإنجليزية واللغة المحلية “الملايو” كم شعرت بالسعادة والإعجاب.

لا عجب في رؤية البسمة والحفاوة في ضيافة وترحيب الشعب الماليزي بالضيفان، شعب متنوع الثقافات والأعراق، انفتاحه المتزن جعل صاحب الأصل العربي والهندي والصيني في نهاية المطاف “ماليزي”، كم هو جميل أن يشعر الإنسان بقيمته لا أن يُحرمَها ويفقتدها منعا أو بيْعاً.

يستوقفك التعامل المميز في الأمور الخدماتية والمتاجر، فإذا كانت الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من 70% من شكاوى العملاء كان يمكن حلها بالاعتذار فمن المنطقي أن يكون عامل رضى النسبة ذاتها إضافة إلى الخدمة الجيدة مزيدا من الحفاوة والتقدير.
مما أعجبني أثناء تجولي في مركز KLCC التجاري معرض Machines المتخصص في بيع منتجات آبل Apple حيث أنه خصص زاوية من المتجر للتدريب على المنتجات في أيام محددة من الأسبوع وعند الطلب أيضا، هكذا تكون التجارة.

جمال البلاد وأهلها حرك الأشجان والخاطر، سرت في طريق محفوف بالأشجار فكتبت الكلمات التالية:

كل طريق يحدوني نحوك
كل عَرف فاح مُشتم منك
كل حُسن لاح مُشير إليك
كل طير ناح مشتاقٌ إليك
عليك دلني..
ومتى رضيت.. علمني من أكون!

 ماليزيا.. البُنيان

صورة البرجين مع الساحة

ابن صرحا وهيأ ساكنه، شيد مبنىً وأشِد بمعناه، فكما يقال: “الإنسان، قبل البنيان”، ومن مباني الريادة في قلب العاصمة الماليزية كوالالمبور “البرجين KLCC” في ذاتهما بداية فمن حيث الارتفاع احتل المرتبة الأولى عالميا منذ بنائه في 1998م وحتى 2004م واليوم هو في المرتبة السادسة، ثم شاهد تخطيط تصميمه فقد تم جعله قلبا نابضا للمنطقة يضم مركزا تجاريا واسعا، وحوله حديقة جميلة وممشى، وتجد الفنادق محيطة به، وصالة المعارض، وأعود أيضا للإنسان وترشيده للطاقة والحفاظ على البيئة ففي منتصف الليل تطفأ أضواء البرجين تماما.

في صباح السبت كان في صالة المعارض “معرض الحواسيب PC Fair”، كثافة الناس بمختلف أعمارهم وأجناسهم، دفعني لاستكشاف المعرض، صعدت إلى الطابق الثالث، و لما أردت الدخول للقاعة كان لا بد أن أسير مسافة لأدخل في مسار الوصول لمدخل القاعة، وبحسبة بسيطة اتضح أني سأحتاج إلى عشر دقائق للدخول ومثلها على الأقل للخروج ولم يكن لدي الوقت فقررت العودة، واكتفيت بهذا المشهد الجميل.

لم يكن المشهد بأقل منه في مكتبة Kinokuniya KLLC كبارا وصغارا، بين مقلب في الرفوف والكتب، بين قائم وقاعد، لا تعجب إذاً حين تجد مكتبة في قلب المطار، ولا حين ترى كمَّ وتنوع الكتب في مجال ما وكونها حديثة الإصدار، وأثناء التجول في المكتبة لمحت رجلا يبحث عن بعض الكتب من خلال جهاز البحث الفردي، فالتقطت له صورة وكتبت الكلمات التالية:

هيء الانطلاق لفضاء المعرفة،
أعطني المنصة والمساحة للقيادة
وحين أعود، وفر لي ما وجدته واكتشفه
Kinokuniya KLLC

حين تتأمل في الأشياء من حولك ترى فيها وتسمع بها وتشعر من خلالها أنها “ماليزية” فتجد واضحا “المعايير الماليزية” الذي تكتشف به هُوية المنتج وصانعه، وعلى أن لدي ملاحظات شخصية حول هذه المعايير إلا أني أنظر إليها من جهتين: نقل المعايير من فرد أو جهة إلى هُوية وسمة أمر ليس بالسهل لذا فالتدرج فيه محمود، والثانية أنها وباعتزاز “ماليزية”.

المساجد الواسعة والأفكار السباقة في بنائها وعمارتها، كما قال أحد الأصدقاء: مسجد يشرح النفس للعبادة. إتقان وإحسان، سبق وعَبق الريادة يفوح من هذا البلد ذي الهوية الإسلامية.

أحببت التوسع أكثر في معرفة الرؤية الماليزية والطريق التي رُسمت للوصول إليها، فأخذت كتابا عنوانه “ماليزيا.. خارطة الطريق لتحقيق رؤية 2020 – MALAYSIA Road Map For Achieving Vision 2020” والذي يحوي ست فصول كما يلي:

  1. التسريبات والفساد Leakages and corruption
  2. تطوير الموارد البشرية Human Resource Development
  3. قضايا الحكم Governance Issues
  4. الوئام الديني Religious Harmony
  5. الشقاق المتنامي Growing Divisiveness
  6. خاتمة: تحويل ماليزيا إلى دولة ديمقراطية حديثة ومتقدمة Conclusion: Transforming Malaysia into A Modern and Progressive Democracy

 ماذا الآن؟!

  • الآن:

عزم وإصرار، واتخاذ قرار، على التحسين والتطوير، على عمارة الأرض بإحسان وإتقان، والبعض يعتقد أن هذا العزم يكون مرة واحدة على أن من وقف عزمه توقف حاله حيث وقف، فكبار النفوس لاترضى مقاما تبقى فيه، فالمعالي همهم، والكمالُ مناهم، ووجه الكريم المعبود مبتغاهم، حركت هذه الأفكار خواطر كتبت بها كليمات:

أشرقت شمسُ المحبة في سماء العاشق
تبحث عنه.. تطلبه
تنير قلبه، ودروبه
تناديه: استيقظ، فقد آن الأوان!

  • الاستفادة من التجربة: 

لا يعني ما كتبته وجود السلبيات، أو أخطاء ونقاط ضعف بحاجة لمراجعة وتقويم وتصويب، ولكني اكتفيت بالإشارة والإشادة بجميل ما شاهدت تحفيزا للقيام بما هو أفضل منه، وأقول وأكرر ذلك مرارا: أن نرفع رؤوسنا قليلا لننظر ما هو أعلى وأفضل، وأن نبصر الأشياء لا أن نراها، وننصت بفهم وعلم لا مجرد السماع العابر، وإن كنت سأوجه كلمة نقد حيال ذلك فسأقول للماليزيين: “طلب الريادة لا يقبل أنصاف الحلول والثبات عزيز”. استفادة يضبطها العقل بمعانيه الواسعة، ويقودها القلب، وأقتبس عبارة من كليلة ودمنة: “وينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهماً؛ ولا يقبل من كل أحدٍ حديثاً؛ ولا يتمادى في الخطأ إذا ظهر له خطؤه، ولا يقدم على أمرٍ حتى يتبين له الصواب، وتتضح له الحقيقة“.

  • الانفتاح الحميد:

التعلم ممن وما حولنا، فأينما كانت الحكمة فهي ضالتنا، ولعل الجهل بالشيء هو الدافع الفعلي للانتقاص من الآخر، وتعميم الحكم عليه، وقد يظهر ذلك في سلوكياتٍ نراها ونسمعها من حولنا، ولعل بالمثال يتضح المقال؛ فحين ينظر البعض لأهل قُطر أو قارة على أنهم شيء واحد، بل وينتقصهم ويضع أحكاما مسبقة، ومع ذلك قد تكون بلاد حضارة عريقة وتاريخ مشرق، وبالمِثل حين يسافر أحد العرب إلى قارة أخرى ويقول له شخص ما: من أين أنت؟ فيقول اسم بلاده، فيجيبه: لا أعرفها، ولكن ألست عربي! فيجيب بامتعاض: نعم، ولكن العرب 22 دولة، وأنا من هذا البلد، وفي بلدي محافظات ومدن، فأنا من هذه المدينة، لذا لا تخلط بيننا من فضلك. فتكون إجابة من سأله: …..

  • الثبات:

الثبات على المبادئ والقيم، على بناء الفكر والعقل والقلب المستمر، على طلب المعالي، عزيز سيّما وأن أثره يظهر بعد حين، وفي المقابل تيار موج الحياة يدفع بنا نحو العجلة والآنية ربما والأنانية، فمتى نترك التفكير في الواقع إلى السعي نحو الحقيقة. وأستشهد بعبارة جميلة لمحمد بن الواسع إذ يقول: “الإبقاء على العمل أشد من العمل“.

  • الفرد الفذ :

لعل زيارة عالم متخصص متمكن في الثمانين من عمره تعطي قراءة لتاريخ عمره 80 عاما، ومع إضافة الحكمة والبصيرة فإنها قد تطوي 800 عاما وتزيد، سيّما إن كان قارئا لعقلية المتقدمين وسابقا لعقلية المتأخرين، تعلمت في سويعات منه الكثير، حالا ومقالا، عقلا ونقلا، عمّقت زيارته في داخلي مزيدا من الحرص على بناء الفرد وليس أي فرد، بل “الفرد الفذ” أدبا وعلما، فعلم بلا أدب لا نفع فيه.

من وعى التاريخ في صدرهِ  *  أضاف أعمارًا إلى عمرهِ
ومن لم يعِ التاريخ في صدرهِ  * لم يدرِ حلو العيش من مُرِّه

تلك كانت بعض الخواطر والمشاهد من الأيام العشر التي قضيتها في ماليزيا، وهناك مواقف مضحكة حدثت، والحقيقة أن كتابة تدوينة في ظل وجود طفل في المنزل هو تدريب فعال على التركيز والصبر، فإن بكى راعيته، وإن تبسم لاعبته، وإن نام ترقبته، ولله در عبدالحميد الكاتب حين كتب لأخيه عن مولوده الأول فقال:

فإذا نظرت إلى شخصه، تحرك بي وجدي، وظهر به سروري،
وتعطفت عليه مني أَنَسَة الوالد، وتولت عني وحشة الوحدة .
فأنا به جذل في مغيبي ومشهدي، أُحاول مس جلده بيدي في الظُلَم،
وتارة أعانقه وأرشُفه، ليس يعد له عندي عظيمات الفوائد، ولا منسفات الرغائب .

محمد السقاف

Be Sociable, Share!
الكاتب: محمد السقاف | يوم: 23 أبريل 2012 | التصنيف: عام | 19٬000 قراءة | طباعة
Be Sociable, Share!

التعليقات:

أضف تعليقاً | عدد التعليقات: (21)

  1. نادين قال:

    صور رائعة و موضوع جميل .. شكرا جزيلا لك

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  2. زين الجنيد قال:

    ماشاء الله تبارك
    اول مرة اشارككم في هاذهي التدوينة الاكثر من رائعة والتي استفدت منها الكثييير

    واما عن موضوع رحلتكم جميل طرحكم وبالصور ازداد اكثر اشراقاً

    وياريت لو تكمل الشطر الثاني من الرحلة والمواقف المضحكة التي حدثت معكم

    والعفو…..

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  3. مجاهدعيسى قال:

    ما شاء الله فعلاً وصدقاً من أروع البلاد الإسلامية ويكفيك التقنية والتقدم الذي لديهم
    فعلاً رائعه وسفرة موفقة وأتمنى من الله ان يرزقنا بمثلها
    ووفقك الله اخي محمد

    ” اخي محمد أرسلت لك رسالة على البريد وأتمنى الرد عليها بشكل مستعجل شاكر لك كل ما تكتبه وتقدمه لنا صدقاً شكراً لك وانا حقاً ممتن وبشدة لك من اعماق قلبي ونفسي “

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  4. ahmed fikry قال:

    مدونة رائعة وفكرة مميزة ومقال ممتاز شكرا لك وبارك الله فيك …

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  5. على الانسان ان يستفيد من كل ما يقابل فى حياته ، وانا استفدت معلومة جديدة اليوم من هنا

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  6. متميز دائما شكرا جزيلا

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  7. الصور رائعة جداااا

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  8. Bassam قال:

    مدونة رائعة وفكرة مميزة ومقال ممتاز شكرا لك وبارك الله فيك …

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  9. g24g قال:

    . شكرا جزيلا لك

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  10. سوفت نت قال:

    مقال ممتاز
    شكرا لكم

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  11. العاب قال:

    ماليزيا بلد جميل جدا

    شكرا لكم

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  12. الصور رائعة جداااا

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  13. Appealing piece of information. I discovered your blog along with accession capital to assert that we acquire actually experienced account your blog site posts. By any means I am subscribing with your provides nourishment to and even I personally satisfaction an individual accessibility continuously quickly.

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  14. mohamed قال:

    الاسلام عليكم
    ما شاء الله موقعك جميل ومفيد
    ابدأ أقوى استراتيجية عبر الانترنت
    في تحقيق دخل جيد للموقعك
    لا تضيعوا الفرصة من بين يديكم

    ماذا تنتظر؟ سجلوا الآن مجانا واحصلوا على مئات دولارات
    http://goodhsoub.blogspot.com/

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  15. Manar Tarek قال:

    شكراً على الوصف المدعم بالصور وبارك الله فيك

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  16. لمياء إم قال:

    صور أكثر من رائعة أخي الكريم

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  17. Manar Tareq قال:

    شكراً على الموضوع والصور جميلة جدًا

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

  18. صور وموضوع رائعين للغاية جزاك الله الخير

    تقييم التعليق: Thumb up 0 Thumb down 0

أكتب تعليق

CommentLuv badge

سقاف كوم - حيث لا سقف للمعرفة! | جميع الحقوق محفوظة لموقع سقاف كوم | اتصل بنا لأفضل وأسرع تصفح لمدونة سقاف كوم استعمل فايرفوكس